محمد حسين الذهبي

571

التفسير والمفسرون

ثم قال الأستاذ الإمام بعد ذلك « 1 » : ( فإذا صح الجرى على هذا التفسير ، فلا يستبعد أن تكون الإشارة في الآية إلى أن اللّه تعالى لما خلق الأرض ، ودبرها بما شاء من القوى الروحانية التي بها قوامها ونظامها ، وجعل كل صنف من القوى مخصوصا بنوع من أنواع المخلوقات ، لا يتعداه ولا يتعدى ما حدد له من الأثر الذي خص به ، خلق بعد ذلك الإنسان ، وأعطاه قوة يكون بها مستعدا للتصرف بجميع هذه القوى وتسخيرها في عمارة الأرض ، وعبر عن تسخير هذه القوى بالسجود الذي يفيد معنى الخضوع والتسخير ، وجعله بهذا الاستعداد الذي لا حد له ، والتصرف الذي لم يعط لغيره ، خليفة اللّه في أرضه ، لأنه أكمل الموجودات في الأرض ، واستثنى من هذه القوى قوة واحدة ، عبر عنها بإبليس ، وهي القوة التي لزها اللّه بهذا العالم لزا ، وهي التي ، تميل بالمستعد للكمال ، أو بالكامل إلى النقص ، وتعارض مد الوجود لترده إلى العدم ، أو تقطع سبيل البقاء ، وتعود بالموجود إلى العناء ، أو التي تعارض في اتباع الحق ، وتصد عن عمل الخير ، وتنازع الإنسان في صرف قواه إلى المنافع والمصالح التي تتم بها خلافته ، فيصل إلى مراتب الكمال الوجودي التي خلق مستعدا للوصول إليها . . تلك القوة التي ضللت آثارها قوما فزعموا أن في العالم إلها يسمى إله الشر ، وما هي إله ، ولكنها محنة إله لا يعلم أسرار حكمته إلا هو ) . قال : ( ولو أن أنفسنا مالت إلى قبول هذا التأويل ، لم تجد في الدين ما يمنعها من ذلك ، والعمدة على اطمئنان القلب ، وركون النفس إلى ما أبصرت من الحق « 2 » ) اه . ثم يعود في موضع آخر إلى تقرير التمثيل في القصة فيقول : ( وتقرير التمثيل في القصة على هذا المذهب هكذا : أن إخبار اللّه الملائكة يجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه ، التي بها قوامه ونظامه ، لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها ، فيكون به كمال الوجود

--> ( 1 ) غالب ما ينسب للامام في هذا التفسير مروى بالمعنى عنه . ( 2 ) تفسير المنار ج 1 ص 269 .